محمود طرشونة ( اعداد )

68

مائة ليلة وليلة

شيئا لم يكن ، ويجب أن يتوقف الزمن وتتعطل جميع الأحداث مدة إغمائه . فالمبالغة في اللهجة من الخصائص القصصية التي يطرب لها الجمهور ويوجّه الراوي إليها توجيها بواسطة ردود الفعل التي تصدر أثناء الرواية . وهذا هو معنى كلمة « الحديث » التي نجدها في عنوان كل حكاية . فهي تعني هذا الحوار المباشر بين الراوي وجمهوره ، وأصل الكلمة يعود إلى الحديث النبوي الذي كان كذلك حوارا بين الرسول وصحابته ثم تطوّرت الكلمة فأصبحت تطلق على كلّ حكاية خيالية تروى شفويا إلى جمهور « 145 » . وأحاديث ابن دريد الأربعون تندرج في هذا المعنى . ومعلوم أنها كانت من أصول فنّ المقامة التي كانت تلقى شفويا ثم وقع تدوينها . خلافا للأدب الكلاسيكي المدوّن فإنّ العلاقة في الأدب الشعبي بين الراوي والجمهور علاقة متينة جدّا تعكس نفس القيم ونفس الأحلام ونفس الأذواق . وكتاب « مائة ليلة وليلة » أحسن ما يجسّم هذه العلاقة إمّا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة . * * * فقد تبيّن أنّ هذا الكتاب يمكن أن يقرأ بطرق مختلفة وكلّ قراءة تنتج فوائد مهمة سواء كانت متعلقة بالأصول الهندية أو المصادر العربية أو الوساطة الفارسية أو الإثراء المغربي ووساطته لنقل هذا التراث الشرقي إلى الغرب . لكن يجب أن نقرّ ما لاحظه فون‌دير لاين عن الفرق بين هذه الأصول الهندية والصور العربية في حديثه عن الحكاية العربية عامّة . قال : « والحكاية الهندية لا يشيع فيها الضوء والهواء دائما ، ولذلك نحن نختنق أحيانا تحت زحمة ما فيها من الابتكارات . أمّا عند العرب فالحكايات الخرافية تنتثر مثل الأزهار وهي تقف في خفّة وحرّية بعضها بجانب

--> ( 145 ) انظر دائرة المعارف الاسلامية ( الفرنسية ) ط 2 ، III ، 379 .